عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
253
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
قلت : هذا هو السماع الحقيقي ، وقد يجوز على غير هذا الوجه بشروط مذكورة في تصانيف المشايخ السالكين العارفين ، ومن أحسنها تصنيفا وترتيبا ، وأتقنها تحقيقا وتهذيبا : كتاب « عوارف المعارف » للشيخ الجليل العالم الرباني شهاب الدين السهروردي رضي اللّه عنه ، وما أحسن ما قاله الشيخ العارف أبو عثمان الخيري رضي اللّه عنه : السماع على ثلاثة أوجه : فوجه منها للمريدين المبتدئين يستدعون بذلك الأحوال الشريفة ، ويخشى عليهم الفتنة والمراءاة . والثاني للصادقين يطلبون الزيادة في أحوالهم ، ويستمعون في ذلك ما يوافق أوقاتهم . والثالث لأهل الاستقامة من العارفين ، فهؤلاء لا يختارون على اللّه فيما يرد عليهم من الحركة والسكون ، يعنى لا يختارون لأنفسهم شيئا ، بل واقفون مع اختيار اللّه لهم ، رضى اللّه تعالى عنهم ، وهذا القسم الثالث هو الذي أشار إليه بعضهم حيث قال : إنما يصحّ السماع لمن عالج نفسه بأنواع الرياضات وتزكية الصفات ، وفطم النفس عن المحظورات ، ونزّه سرائره وقلبه عن السموم والآفات ، وتحققت له المعرفة بالأسماء والصفات ، وعند ذلك يحتمل أن يصحّ له أخذ السماع من المشاهدات . قلت : وكذلك لا يغترّ أحد رجلين : أحدهما يتوهم أن لي مشربا من موارد هؤلاء الذين ذكرت ، فو اللّه إني فقير إلى ورود مشربهم ، وو اللّه واللّه واللّه إني لمحتاج إلى واحد منهم يقع علىّ منه نظرة يكون فيها نفحة من نفحات اللّه تعالى . والثاني يعرف فقرى من ذلك الحال ، ويتوهم أنى أدعيه بهذا الكلام الذي ذكرته عن هؤلاء الأقوام ، فليعلم أنى لا أدعى ذلك ، بل أعترف بالإفلاس والعدم . وفي ذلك قلت فيما تقدم حين أمدح جواهر نفوس أهل العطاء والوصول ، وأذمّ فلوس إفلاس نفسي ، وأنادى عليها وأقول : وكم من جوهر أحكى نفيس * ولى وصف حكمي وصف الفلوس وكم أجلو على حسن ومالي * نصيب مثل ماشطة العروس رضا يا نفس تستوفى نصيبا * بتسليم قضا بارى النفوس فلو بالمدح قابلتى أمير * رجعتى منه بالمال النفيس فكيف الظنّ بالرحمن معطى * عطايا ليس تحصى في الطروس حباكى مدح سادات البرايا * وقد عافاك من مدح النحوس